القاضي التنوخي
327
الفرج بعد الشدة
عن أبي بكر بن قارب الرازي ، وكان تلميذ لأبي بكر محمد بن زكريا الطبيب بعد رجوعه من عند أمير خراسان لما استدعاه ليعالجه من علة صعبة قال : اجتزت في طريقي إلى نيسابور ببلد بسطام وهو النصف من طريق نيسابور إلى الري . قال : فاستقبلني رئيسها فأنزلني داره ، وخدمني وخدمته وسألني أن أقف على ابن له به استسقاء فأدخلني إلى دار قد أفردها فشاهدت العليل ، ولم أطمع في البراءة ، فعللت القول بمشهد من العليل ولما انفردت بأبيه سألني أن أصدق . فصدقته وآيسته من حياة ابنه ، وقلت له : يمكنه من شهواته فإنه لا يعيش ، وخرجت إلى خراسان وعدت بعد اثنى عشر شهرا فاستقبلني الرجل بعد عودي ولما لقيته استحيت منه غاية الحياء ، ولم أشك في وفاة ابنه ، وإني كنت نعيته إليه وخشيت من ثقله بي فلم أجد عنده ما يدل على ذلك ، وكرهت أن أسأله عنه لئلا أجدد عليه حزنا قد نسيه . فقال لي بعد أيام : أتعرف هذا الفتى ؟ وأومئ إلى شاب حسن الوجه والسجية ، كثير الدم والقوة قائم مع الغلمان يخدمنا . فقلت : لا . فقال : هذا ابني الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان . فتحيرت وقلت : عرفني سبب برءه . فقال لي : إنه بعد قيامك من عنده فطن أنه قد آيستني منه فقال لي لست أشك أن هذا الرجل وهو أوحد في الطب قد آيسك منى ، والذي أسئلك أن تمنع هؤلاء الغلمان يعنى الغلمان الذين كنت أخدمهم إياه عنى لأنهم آذوني لأني إذا رأيتهم معافين ، وأنا لست بينهم يتجدد على قلبي الحزن فأرحني منهم يا أبى وأفرد لي فلانة لخدمتي ففعلت ما سأله ، وكانت المرأة داية له ، وكان يحمل إليها في كل يوم ما تأكله وله ما يطلب على غير حمية . فلما كان بعد أيام حمل إلى الداية مضيرة لتأكل فتركتها ومضت لشغل لها فذكرت بعد أن عادت أن أبى قد نهاها عن أكل المضيرة فوجدتها قد ذهب كثير منها ، وبقى بعضه متغير اللون قالت : فسألت الغلام عن السبب فأخبرني أنه رأى أفعى عظيما قد خرج من موضع ودب إليها وأكل منها ثم قذف فيها فصار لونها كما ترينه فقلت : أنا ميت وهو ذا يلحقني ألم شديد ومتى أظفر بمثل هذا ، وجئت فأكلت من الغضارة ما استطعت لأمرت عاجلا وأستريح فلما لم أستطع زيادة